المرسي :نحن أمام مباراة شطرنج جيوسياسية يتوقف فوز أحد خصومها على قدرته في المناورة
قالت الباحثة والخبيرة في الشأن الايراني الدكتورة شيماء المرسي في تصريح لـ " مصر الآن "بعد أن تحدت جماعة الحوثي تحذيرات مجلس الوزراء اليمني من استقبال الطائرة الإيرانية التابعة لشركة ماهان إير الإيرانية، استهدف مدرجا الهبوط والإقلاع في المطار بعدة غارات ظهر اليوم.
في البداية اتهمت جماعة الحوثي المملكة العربية السعودية باستهداف المطار وتوعدتها برد قاسي، لكن لم تلبث الحكومة اليمنية الشرعية، عبر قواتها المسلحة، أن أعلنت مسؤوليتها رسميا عن استهداف المطار لمنع هبوط الطائرة الإيرانية، التي غيرت وجهتها إلى مطار الحديدة غرب اليمن وفقا لوكالة أنباء فارس التابعة للحرس الثوري.
وأضافت المرسي ويرجع اتهام الحوثي للرياض بالتصعيد المباشر، رغم إعلان الحكومة اليمنية مسؤوليتها، إلى عدة أسباب استراتيجية وسياسية تخدم الخطاب الحوثي في المقام الأول، فضلا عن أن الواقع العملياتي والسياسي يشير إلى أن الضربة جاءت بتنسيق وثيق ومشترك بين الحكومة اليمنية والسعودية.
1- سعى الحوثي دائما إلى تصوير وجوده العسكري في إطار صراع مباشر بينه وبين قوى إقليمية ودولية، سواء كانت السعودية، أو الولايات المتحدة، أو بريطانيا، أو إسرائيل، وليس نزاعا مع أطراف يمنية، وذلك لكي يمنح نفسه شرعية سياسية كدولة تواجه عدوانا خارجيا وليس كتنظيم مسلح.
2- اتهام الرياض مباشرة هو محاولة لتقزيم دور مجلس الوزراء اليمني، وإظهاره بمظهر العاجز الذي لا يتحرك إلا بأوامر سعودية، وهي مراوغة تسعى إلى تفريغ الوزن السياسي لإعلان الحكومة عن مسؤوليتها في استهداف المطار.
3- الأهم من هذا وذاك، أن خطورة توقيت وصول الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء، الذي استخدمه الحوثي مرارا لأغراض عسكرية جعلته عرضة لضربات جوية متكررة كان آخرها ضربة إسرائيلية في مايو 2025، تكمن في محاولة إيران استنساخ النموذج السوري، أي تأسيس جسر جوي في صنعاء شبيه بجسر دمشق.
و قالت تزداد خطورة تلك الخطوة حول طبيعة شركة ماهان إير الخاضة للعقوبات الدولية منذ 2011، والمرتبطة تاريخيا بنقل العتاد والأسلحة والخبراء التابعين لفيلق القدس. أي أن الحوثي يحاول استخدام المطار كرمز سيادي لكسر العزلة من جهة، مضحيا بالمنفذ الإنساني الوحيد لسكان المحافظات الشمالية في سبيل التزود بالعتاد والأسلحة الإيرانية من جهة أخرى.
وبما أن إيران والحوثي يحتاجان إلى ذريعة لإنهاء حالة خفض التوتر مع الرياض والعودة لاستهداف السفن، فقد كان لا بد من تحريك بيدق الطائرة لاستفزاز الرياض.
ويتسق هذا مع تصريحات المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي (8 يوليو 2026)، الذي أعلن أن بلاده تدرس الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وتغيير العقيدة النووية، وإغلاق مضيق باب المندب بالإضافة إلى مضيق هرمز.
لذلك، إعلان رضائي ليس استهلاكا خطابيا، بل هو تمهيد لسلوك إيران المستقبلي بالفعل، والذي بدأ بإغلاق كامل لمضيق هرمز مجددا، في مقابل، تحمل شدة الضربات الأمريكية حتى تعيق كسر سيادتها عليه قيد أنملة.
وأوضحت أنه ومن أجل هذا، تراهن إيران على تهديد الملاحة في باب المندب لرفع منسوب الخطر الإقليمي إلى مستويات غير مسبوقة، مستنسخة أسلوبها في هرمز باستهداف سفن الدول المعادية واستثناء الدول الصديقة بناء على دقة تصويب الحوثي، وهو ما يفسر تأخر الجماعة نسبيا في الانخراط الشامل في هذه الجولة.
ومع ذلك، هل وقعت إيران في فخ سقف التوقعات بتلك الخطوة التصعيدية؟
للحق، إيران باتت تشعر بالخنق الاستراتيجي، وأن طول أمد المسار التفاوضي دفع دول حليفة (قطر وعمان) إلى الرضوخ للمطالب الأمريكية، لهذا، اتخذت خطوة رفع سقف الصدام عند المضايق لفرض القبول بشروطها التفاوضية، وهذا لا يعني حتما الذهاب نحو حرب شاملة، بل رغبتها في التسبب في صدمة اقتصادية وأمنية مؤقتة في ممرات الملاحة تحرك بها المياه الراكدة.
وبالفعل، قبل دقائق، أعلنت صحيفة كيهان المتشددة والمقربة من المرشد الإيراني عن استهداف ناقلة نفط بالقرب من المضيق باب المندب، في خطوة تصعيدية من الحوثي الذي توعد بإنهاء حالة خفض التوتر.
وعليه، نحن أمام مباراة شطرنج جيوسياسية من الدرجة الأولى، يتوقف فوز أحد خصومها على قدرته على المناورة قبل إعلان "كش ملك". وبما أن شروط إيران التفاوضية مرفوضة حتى اللحظة الراهنة، كان لا بد لها من توظيف ورقة الحوثي كأداة ضغط قصوى لدفع القوى الإقليمية والدولية إلى تقديم تنازلات.
ولهذا، تتلخص السيناريوهات المتوقعة في تكرار سيناريو تعطيل الملاحة في البحر الأحمر على غرار ما حدث أثناء حرب غزة، لكن الفارق هذه المرة أن إيران أعادت تدريب الحوثي على دقة إصابة الأهداف.
ناهيك عن أنها ستمارس نوعا من الانتقائية والتمييز في البحر الأحمر كما فعلت في هرمز، لتعيق دولا خليجية وأمريكية وإسرائيلية وأوربية بعينها، خاصة بعد أن صنفت بريطانيا الحرس الثوري كمنظمة إرهابية.
وبرغم هذا كله، لن تنتهي الجولة الراهنة إلا بعد مرحلة كسر العظام قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، خصوصا وأن سلوك إيران التصعيدي قد يفرض على القوى الكبرى قناعة حتمية بأن هذا النظام وصل إلى مرحلة من الاندفاع تقتضي كسر عظامه، وليس مجرد تسوية مؤقتة.
ولهذا، فإن نجاة إيران أضحت مرهونة بحساباتها مع حلفائها الاستراتيجيين، وتحديدا روسيا والصين. فهل سيتركونها وحيدة في الميدان، أم أنها ستتلقى الدعم اللوجستي والاستخباراتي والعسكري؟
كل المؤشرات الحالية ترجح أن التحالف الأوراسي (إيران - روسيا - الصين) هو من سيحسم نقاط هذه الجولة في نهاية المطاف.





